أبي منصور الماتريدي
223
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لا محالة ، فلو علموا بوقوعه لا محالة ، لارتدعوا عنه . قوله تعالى : [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 5 إلى 20 ] قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً ( 5 ) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً ( 6 ) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ( 8 ) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ( 9 ) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً ( 10 ) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 ) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ( 19 ) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً ( 20 ) وقوله - عزّ وجل - : قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً يحتمل أن يكون هذا من نوح - عليه السلام - بعد أن أخبر أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] ، فيكون القول منه قول معتذر : أنه لم يقصر في دعوة قومه إلى الإسلام ، وأنه قد دعاهم إلى الإسلام في كل وقت وحال ، وأنه قد أبلى عذره في ذلك ، وإنما جاء التفريط والتعدي من جهة قومه . ويحتمل أن يكون هذا منه على الإشفاق والرحمة والتعرض ؛ لاستنزال اللين والرحمة ، لعل الله تعالى بلطفه يلين قلوبهم فينقادوا للحق ، ويرغبوا في الإجابة ؛ ليتخلصوا من العذاب ويستوجبوا المغفرة من ربهم ، فهو يخرج على أحد هذين الوجهين : إن كان قبل الإخبار ، فهو على التعرض منه ؛ لاستنزال اللين والرحمة ، وإن كان بعده فهو على إبلاء العذر ، لا على الدعاء والرجاء بأن يلين قلوبهم بلطفه فينقادوا للحق ؛ إذ لا يجوز أن يخبر الله تعالى أنهم لا يؤمنون ، وهو يطمع منهم أن يؤمنوا . ثم قوله : إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً ، أي : دعوت في كل وقت وكل ساعة من الليل والنهار أمكنني فيه الدعاء . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً . وأصل هذا أن عداوتهم كانت قد اشتدت لنوح عليه السلام ، وكانوا « 1 » قد استثقلوه وأبغضوا كلامه ، فحدث لهم ببغضهم كلامه واستثقالهم إياه معنى حملهم على الفرار ؛ فنسب ذلك إلى الدعاء ؛ لأن حدوث ذلك المعنى كان عند وجود الدعاء ؛ فنسب إلى الدعاء على معنى المجاورة والقرب ، لا أن يكون الدعاء في الحقيقة سببا لزيادة الفرار ؛
--> ( 1 ) في ب : وكان .